الغريب
الشمس تميل نحو الغروب .. زخّات مطر وحفيف أوراق لفظتها الأشجار.. أو لعلها تبرّأتْ من ربقة الأغصان.. طيور تستحثّ الأجنحة نحو أوكارها.. رعاة يسوقون قطعانهم الصغيرة نحو القرية .. عدد الشياه بالقطيع يكاد يساوي عدد الكلاب..
هناك بسفح الجبل الرابض في الضباب… شيخ يتقدّم نحو القرية..
بهيئة لا تخلو من الغرابة يتوقف فجأة أمام مقهى «الحاج صالح»..
يتفحّص المكان بنظرة ثاقبة وكأنه يبحث عن شيء ضائع … يتمتم بكلمات غامضة ثمّ يلج المقهى ويتخذ له مكانا حذو النافذة ..
كانت الأصوات تتزاحم في رأسه … وهو صامت ، مكفهرّ الوجه، لا يلتفت حتى إلى فنجان الشاي الذي زال بخاره وانخفضتْ حرارتُه.. هذا صوت مزمجر من «طاولة البولوط» : «اِلعبْ يا بهيم.. راني شاميتك على لونقة في لصّي البرّاني..!!! »… فيتداخل ذاك الصوت مع آخر ينطلق من « طاولة الرّوندة» : « هات عشرة جِملة وأعطيه سخطة على قُبُّو…» وفجأة يسمع ضربة قوية على « طاولة الشطرنج»
وصرخة مدوّبة « كِشّ ماتْ يا بُوهَالي… مَانْي عارفْها فلوسكْ حرامـ عليكْ…» ثمّ ضحكة جماعية ساخرة
شارك فيها جميع من في المقهى…
يستدير بحثا عن النادل ليدفع ثمن شاي لم يشربْه… فتاة تتقدّم نحوه .. لا يأبه لابتسامتها غير البريئة… يضع على الطّاولة الخشبية المتآكلة شيئا يشبه النّقود ويغادر المكان…
وكأنّه يستفيق من حلم مزعج ، يَهًشّ بعصاه الفراغ .. يتّجه نحو مغازة ملابس بالجانب المقابل كُتِب عليها بخطّ رديء « اللّباس الأصيل عند الحاج العربي» …
يتأملُ طويلا في البضائع المعروضة.. بجبين مقطّب ودهشة لم يستطع إخفاءها ، يتحسّس بيد مرتعشة سراويل رجالية ممزقة في مستوى الركبتيْن أو في مستوى الفخذ.. يتمتمُ مغادرا « سراويل تبتسمُ.. كم تبدو ساخرة..!!! »
من الصومعة المجاورة ، يرتفع صوت الآذان … يسارع نحو
« الميضة» فيتوضّأ ويهرع للصلاة كالهارب من نفسه … إمام وثلاثة شيوخ وشابّ هم كلّ من هناك…
تقدّم الشابّ نحو المحراب وأقام الصلاة … رائحة كريهة تمنعه من الخشوع .. وسروال الشابّ الذي كان يشبه تلك التي سخرت من هيئته بالمغازة… والهاتف الجوّال الذي لم يهدأ رنينُه منذ إقامة الصّلاة .. وأخطاء الإمام في مستوى التّلاوة السّليمة.. عوامل ، جعلت منه أوّل المغادرين …
أراد أن يهرول وهو يغادر المسجد ، ولكنّ هيكل امرأة تبدو في مقتبل العمر ينتصبُ أمامه في ظلمة المكان… هي امرأة متحجّبة بالسّواد.. تضع على وجهها نقابا بدا له رغم العتمة بُنّيّا… انزعج لعينيْها التي ظنّ للحظة أنّها ترومُ افتراسه… سمعها تسأله بصوت يتوفر على قدر من الجرأة والإغراء في آنٍ « سيدنا الشيخ خرج مِ الجامع ؟ »…
وقبل أن ينبس ببنت شفة سمع صوتا يغمغم من ورائه « هاني جيتك يا فضيلة » … أزاحته من أمامها بيدها اليُسرى وانطلقت نحو « سيدي الشيخ » وهي تترنمّ بصوت خافت «هاهو جاء ..الّي مَهَبّلني.. هاهو جاء الّي مْهَـ…»
تسمّر في مكانه وهو لا يصدّق ما يرى وما يسمع … واستدار للوراء.. حينها كان «سيدي الشيخ » يدسّ شيئا ما بيد « فضيلة» .. وسمعها وهي تقول بصوت فيه ما فيه من الدّلال « ت يزّي بلا مساطة سيدي الشيخ ..» ثمّ تضيف مقهقهة «..اش بش نعمل بيهم هاذم .. هيا عاد زيد حكّ جنابك.. ت راك محسوب في بلاصة المرحوم..»
هرول هذه المرّة نحو سفح الجبل…
لم يلتفت وراءه حتى وصل إلى المكان المقصود… مقبرةُ القرية…
تجرّد من ملابسه الثقيلة … انحنى فجأة ليمسك بحزمة من الأغصان المورقة ويرميها بعيدا… رفع اللّحدَ بكِلْتا يديْه.. ثمّ عاد إلى قبره…
من فوهة صغيرة مُحاذية للّحد يتصاعد دخانٌ… دخانٌ كثيفٌ … دخانٌ في سواد اللّيل .. يتجمّع الدّخان غيمة في كبد سماء مُقمرة…
تتحوّل الغيمة شيئا فشيئا نحو القرية النّائمة… تُبرِقُ وترعِدُ… تُمطِرُ القريةَ دِمَاءً و ضَفَادِعَ… (انتهت)
بقلم : فاروق الجعيدي
