بقلم الكاتب فاروق الجعيدي

« شجرة الزيزفون »

تكوّر على المقعد وأسند رأسه إلى نافذة القطار وجعل يتأمّل ما يمرّ بحانب السّكة الحديديّة من مشاهد في عرض سريع أحيانا وبطيئ أحيانا أخرى .. نظر في ساعته الذّهبية .. إنّها تشيرُ إلى قرب اللّقاء..
مرّر أنامله كالمشط في شعره الأسود وهو يبتسم ويقول في سرّه « لن تسعَها الأرضُ لرؤيتي..! »
امتدّتْ يده إلى جيبه .. أخرج من حافظة نقوده ورقة بيضاء .. حملق بلهفة في الورقة كمن يراها لأوّل مرّة ثمّ تمتم وهو يداعب بأصبعه كتابة تكاد حروفها تختفي « سأنتظرك ككلّ مساء تحت شجرة الزيزفون » …
كانت يومها تجلس على أرجوحة تتدلّى من شجرة غير بعيدة عن« الفيرمة » .. شجرة الزّيزفون.. تلك التي كانت شاهدة على كلّ القصص ، وكل الأحداث… حين جاءها توهامي
بالخبر الحزين.. مازالت تذكر كيف مدّ لها ورقة بيد مرتعشة وعين دامعة .. وقع قبوله بجامعة فرنسيّةلمواصلة دراسته في اختصاص الطبّ .. لم تعرفْ يومها أتفرحُ له أم تحزنُ على فراقه … أما توهامي فقد سحب الورقة برفق من بين أصابعها المرتخية ثمّ اختفى برهة من الزمن ليعود مودّعا وهو يحمل حقيبته البُنيّة بيساره ومحفظة سوداء بيمينه …
أيقظه من شروده منبّه القطار وهو يبشّر بانتهاء الرحلة ، فانتفض واقفا و جذب حقيبة كانت في مستوى رأسه بالمكان المخصص لحفظ الأمتعة ..
تسارعت دقّات قلبه وهو يصل إلى مشارف «الفيرمة » .. كان طقسٌ ربيعيّ مشمسٍ.. وكانت رائحة الأزهار تدغدغ فيه ذكريات جميلة طالما اجترّها بأيّام الغربة…
وأخيرا .. ها هي شجرةُ الزيزفون تبسط أذرعها على المكان ..
لفت انتباهه شيء غريب..!
أناس يتجمّعون تحت الشجرة وحركة غريبة لم تشهدها «الفيرمة»
في ما مضى من الأيّام ..!
يا للهول !
جسم يتدلّى من شجرة الزّيزفون..!
أحسّ بثقل في ركبتيْه.. جفّ حلقه واقشعرّ جسمه … ترك الحقيبة أرضا وانطلق كالسّهم … شقّ طريقه بين حشود توافدت على «الفيرمة» من القرى المجاورة.. إنّها هي ! نعم هي .. حبيبته فاطمة تتدلّى جثة هامدة من شجرة الزّيزفون … اِعترض سبيله أبوها .. العمّ جابر .. انتحى به مكانا بعيدا عن الحضور ، وناوله مضمون ولادة وهو يقول بصوت متهدّج « لم أجدْ بُدّا لمنعها من انتظارك إلا بمكاشفتها بالحقيقة.. لم تتحمّل الصّدمة ففعلت ما لم يكن في الحسبان .. كان الله في عونك يا ابني ..»
اتّسعتْ عينا توهامي دهشة وهو يقرأ مضمون الولادة .. أراد أن يصرخ .. أن يتنفّس .. أن يفعل شيئا ما .. وفجأة ، عاد ركضا إلى شجرة الزّيزفون … انقضّ على الحبل يقطعه بأسنانه … فأسرع أحد الحاضرين وساعده في قطعه ثمّ عاد إلى الوراء… حينها كان توهامي يحمل جثّة أخته على ساعديه وهو يجول بين الحضور مردّدا « هذا ما جناه أبي عليّ … وما جنيْتُ على أحدْ »
( انتهتْ )

بقلم : فاروق الجعيدي

Publié par TAYACHE Salaheddine

مرحبا بكم المجلة أدبية فنية وثقافية

Laisser un commentaire

Concevoir un site comme celui-ci avec WordPress.com
Commencer