بقلم الكاتب فاروق الجعيدي

«طلقة خاطئة»

أشعل سيجارة ، جذب نفسا طويلا ونفث الدّخان على دفعات متتالية .. ثمّ جعل يتابع تشكّله في الفضاء بملامح عكستْ مزيجا من التّوتّر والحيرة .. حملق في عقارب السّاعة .. إنّها تشير إلى الفراق .. فراق من لا يودّ فراقها .. حاول أن يتجاهل صعوبة اللّحظة فأخرج من حقيبته كتابا أقنع نفسه بمواصلة قرائته… ولكن دون جدوى..
وأخيرا ، سمع صوتا نسائيا عبر مضخّم الصّوت يعلن قربَ إقلاعِ الطّائرة.. حينها سبحتْ وُجنتا الخالة خديجة في سيل جارف من دموع محرقة .. اِحتضنته طويلا في صمت وقد وُئد الكلام على شفتيْها.. قالت وهي تتحسّس وجهه ملء راحتيْها «صَحِبتْكَ السلامةُ يا نور العين»..
رسم على جبينها قبلة حارّة واتّجه نحو مدرج الطّائرة ليلتفت إليها ملوّحا بيده في إشارة وداع وطمأنة حين سمعها تُضيف « لا تبخل عليّ برسائل تطمئنني عن صحّتك ».
غاب حسن بين المسافرين في اتّجاه الطائرة التي تتأهّبُ للإقلاع.. وأجهشت الخالة خديجة بالبكاء وهي تلقي آخر نظرة في اتّجاه الطّائرة .. إنّها تودّع اِبنها الوحيد..
أجل.. ذاك الصّبيّ الذي أنِسَتْ إليه في وحدتها وعكفتْ على تربيته ، ذاك الّذي سهرت من أجله اللّيالي الطّوال وحرمتْ نفسها الكثير ليصير شابّا .. هو نفس الشّاب الذي يفلتُ اليوم من بين أناملها كعصفور يغادر عشّه ليتعلّم الطّيران .. تنهّدت وهي تُسرُّ لنفسها « ألا توجد هذه الجامعة إلاّ في ما وراء البحار ؟ » .
سمع سائق سيّارة الأجرة تنهيدتَها فقال مُواسيًا « لا عليك يا خالة .. هي بضعُ سنوات ويعودُ موفّقا بإذن الله ».. أجابته وهي تشيح عنه بوجهها « عليّ أن أستعدَّ لمرارة الوحشة و قسوة الوحدة ..» .
عادت الخالة خديجة إلى منزلها الّذي كان عبارة عن مَعْلَمٍ أثريٍّ .. منزل عتيق ورثته عن والديها بعد أن تُوفّي زوجها .. دخلتْ غرفتها لا تتمالك عن الاِنهيار لفرط ما يجول بذهنها من أشرطة متداخلة من أحداث جمعت بين ماضي الأيّام وحاضرِها.. وما كادتْ تتجاوز عتبة الغرفة حتى أحسّت بدُوار أجبرها على السّقوط أرضا ، فأرختْ بظهرها إلى الجدار وبقيتْ ساهمة واجمة لا ترى شيئا حولها ولا تعي ما كان يهذي به لسانها …
مرّت سنوات على سفر حسن ، تجرّعت خلالها الخالة خديجة ألوان العذاب.. لكن رسائل حسن التي تأتيها بشكل متواتر كانت عزاءها في وحدتها .. كانت كلما اشتاقت إليه إلاّ وفتحت صندوقا خشبيّا صغيرا وأخرجت ما بجوفه من رسائل وجعلت تشمّها أحيانا وتقبّلها أحيانا أخرى ثمّ تفتح البعض منها وتشرع في تهجئة كلماتها وهي تكاد تطير فرحا.. أجلْ ، لقد بدأت منذ فارقها حسن في حضور دروس محو الأمّية بانتظام .. وها هي الآن تستطيع ان تفكّ تسبر أغوار هذه الرّموز العجيبة وتتمثّل معانيها .. وذات مساء ، كانت قد اندسّتْ في فراشها واستسلمت لذكريات عادت بها إلى زمن الشباب .. زمن الحياة الهادئة .. زمن الأحلام.. لقد كانت وحيدة أبويها.. كبرت وترعرعت في أسرة صغيرة.. عاشت حياة سعيدة ، وظنّت أنّ سعادتها ستتواصل حين انتقلت إلى منزل زوجها … كان زوجا لطيفا .. وكانت زوجة سعيدة.. لكن يد القدر لم تمهلهما أكثر من ستّة أشهر لتعصف بكل ما راكَمَا من أحلام .. كان يوما ربيعيّا دافئا.. وكانت حاملاً بابنهما حسن في شهرها الرّابع .. خرجت رفقة زوجها للمشْيِ في الغابة المجاورة.. طلقة نارية خاطئة من بندقية أحد الصيّادين المبتدئين، تستقرّ في رأس زوجها ..
قطع عليها حبل الذّكريات نداءُ إحدى جاراتها وطرق خفيف على باب المنزل.. اعترت جسمها قشعريرة فزع وريبة .. ما الخبر الذي تسوقه الجارة في هذا المساء ؟
قفزت من سريرها مقطّبة الجبين كأنّما تستطرد من كلّ شيطان..
على عتبة الباب الخارجي ، ألفتْ جارتها أمّ بشير تمدّ لها رسالة .. ابتسمت للجارة ابتسامة وُدّ وعادت إلى سريرها وهي تمزّق ظرف المكتوب في عجل ولهفة ..
« أمّي الحبيبة
رأيتك ظُهر هذا اليوم وأنت تعودين إلى المنزل وقد كنت في زيارة الخالة أمّ بشير .. لا تستغربي أمّي الغالية … فأنا متواجد هنا منذ أسابيع.. لم أشأ أن أدخل البيت إلا وقد أوفيْت بوعد أخذته على نفسي..
أبي لم يمتْ بطلقة خاطئة من بندقية صيّاد مبتدئ كما أعلموك..
قاتل أبي هو « المُعمّر فيليب هنري ميشال».. و العربي بن خليفة« بيّوع فرانسا » هو من نفّذ الجريمة .. نعم ..نعم .. هكذا كان الاِتّفاق بين «المُعمّر» و « بيّوع فرانسا».. يخلّصه من والدي الذي كان يساعد «الفلاّقة» بالمال والغذاء ، و بعدها يفتكّ «البيّوع» منك الهنشير بمساعدة « المعمّر » بعد تدليس وثائق الملكية .. لا أطيلُ عليك أمي الحبيبة.. أنا علمت بالأمر منذ سنين.. ما كنت أريد أن أزيد على ألمك ألما جديدا… ولكنني اليوم استرجعتُ كلّ شيء … نعم كلّ شيء .. «هنشير الوادي» و «الفيرمة القبلية» .. ولكن هل سأقف كثيرا أمام الباب في انتظار أن تكملي قراءة الرّسالة ..؟» ما كادت الخالة خديجة تستوعب العبارة الأخيرة حتّى خفق قلبها بين جناحيها ونطّت من فراشها نحو الباب الخارجي عارية الرأس ، حافية القدمين…
من الغد ، عندما كان حسن يأخذ بيد أمّه ليساعدها على النّزول من سيّارته الفاخرة أمام مدخل «الفيرمة» ، كانت سيّارة رباعيّة الدّفع قد توقّفت بنفس المكان.. نزلت منها فرقة خاصّة بمقاومة الإجرام… وعادت تجرّ المدعو «بيّوع فرانسا» مكبّلا في الأغلال …
«انتهتْ»

بقلم : فاروق الجعيدي

Publié par TAYACHE Salaheddine

مرحبا بكم المجلة أدبية فنية وثقافية

Laisser un commentaire

Concevoir un site comme celui-ci avec WordPress.com
Commencer