جمال الكتامي والأغنية الملتزمة
عبد الدين حمروش
« أخبار اليوم » الجمعة 2019/12/20.
حين أرهفُ السمع إلى أغاني الفنان جمال "الكتامي"، تعود بي الذاكرة إلى الزمن الجميل، الآخذ في التواري، يوما بعد يوم، بآدابه وفنونه وقيمه. وعلى الرغم من أن لا جدال في اندراجها ضمن ما يسمى "الفنّ الملتزم"، إلا أن أغاني "الكتامي" تلك تستوعب "الالتزام"، من منطلق كونه التزاما بالفن في المقام الأول. من البدهي، القول إن الفن الملتزم ظل مقترنا بالمد الثوري، اليساري منه بشكل خاص. التركيز على البعد الرِّسالي، في جانبه المضموني، يكاد يستهلك البعد الأقوى في هذا النمط من الفن. ولذلك، من السهل ملاحظة ارتداد فنون "الالتزام" وآدابه، لدى العديد من المتحمسين له، إلى مجرد "شعارات"، تجد انتعاشها في صخب الساحات والميادين.
لا نريد الخوض في نظريات الفن، في محاولة لرسم ملامح ما يسمى الالتزام في الفن. ترك الفرصة لهذا النمط من الفن، لكي يُعبِّر عن نفسه، في تفاعله مع مختلف الأذواق، أهمّ من كل استعراض نظري (ليس هنا مجاله). إن الالتزام بحدود الفن، حيث الإنسان موضوعه، يكاد يجيب على معظم الأسئلة، التي يمكن طرحها بهذا الخصوص. لنترك الالتزام ونظرياته، التي لم يستغرق الحديث فيها إلا فترة جد محدودة، على أساس أن الآداب والفنون "الملتزمة" (بالمعنى الأخير) أعرق في نشأتها ووجودها. كلما تمّ حصر الالتزام، والفنون المرتبطة بفلسفته، بسياق المد الثوري اليساري، إلا أهدرنا آدابا وفنونا تاريخية هائلة، في مقاومتها للظلم والقهر والاستبداد. شعر الصعاليك، في العصر الجاهلي، مجرد عنوان لما يمكن الاستشهاد به على "حداثة سنّ" مفهوم الالتزام بالمعنى الضيِّق للكلمة. أما في أدبنا المغربي، فإن استعراض قصائد من فن الملحون، في هذا الإطار، كفيل بتوضيح معنى الانتصار للإنسان، ولحريته وعدالته على وجه هذه الأرض.
لنترك أغاني المجموعات، مُمثلة في أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب، ولنركز على أغاني ثلة من مغني الالتزام الفردي، الذين واكب فنُّهم لحظات احتجاجية قوية من تاريخ المغرب المعاصر. والملاحظ أن في أغاني الثلة الأخيرة وعيا مقصودا برسالة الفن "الملتزم"، وانخراطا في حركية فنية قائمة بذاتها عربيا وعالميا. ويأتي في طليعة المجموعة الأخيرة، سعيد المغربي وصلاح الطويل وجمال الكتامي (إضافة إلى أسماء أخرى). وإذا كان الأولان قد عرفت أغانيهما بعض الانقطاع في الفترة الأخيرة، فإن صوت "الكتامي" ظل يصدح بأكثر من إيقاع يعلو أحيانا، ويخفت أحيانا أخرى.
أصدر الفنان جمال الكتامي، حتى اليوم، شريطين غنائيين: "صرخة الأطلس" و"شقائق النعمان". وقد تعاون الفنان، في إصداره الشريطين، مع مجموعة من الشعراء المغاربة، من قبيل عبد الرفيع الجواهري، المرحوم عبد السلام بوحجر، جمال بودومة وآخرين. وبقراءة أولى للشريطين، تبدو هناك ملاحظات جديرة بالتسجيل:
- الاتكاء، في مستوى كلمات الأغاني، على القصائد الشعرية. وإذا كانت هذه القصائد تتوزع بين الدارج والفصيح، إلا أن الغلبة ظلت لصالح القصائد الأخيرة،
- بارتباط مع الملاحظة السابقة، يبدو أن قرار الفنان، من خلال اعتماده على ديوان الشعر المغربي، قرارا حاسما. وهكذا، يشكل اللحن والأداء، بموازاة مع الكلمات، مجموعا مغربيا خالصا.
من جهة أخرى، يمكن للمهتمّ ملاحظة القصدية المبيتة في اللجوء إلى ديوان الشعر المغربي، بالنظر إلى الإمكانات اللحنية والتعبيرية الجديدة، التي فسحها للفنان إلى حد بعيد. فبدل تصدُّر الإيقاع العالي، ذو النفس الاحتجاجي، بدت الأغاني الأخيرة متنوعة، وبخاصة في جنوحها إلى الغنائية المفعمة بالعاطفة والتأمل. في مثل هذه الأغاني، أخذنا نلاحظ النفس الاحتجاجي يتوارى (أو على الأقل يخفّ) لصالح النفس الغنائي. وبطبيعة الحال، لم يكن لذلك أن يحقق نقلته النوعية، لولا تفاعل الفنان الكتامي مع نصوص من الشعر المغربي، المتميز بشفافية نبرته وحسه الإنساني الرفيع. وهكذا، بدل الحديث عن الالتزام، بالمعنى الضيق للكلمة، صرنا بإزاء أكثر من معنى له.
مثلما قلنا سابقا، أصدر الفنان الكتامي شريطين غنائيين، ما يعني إصراره على تقديم صور عديدة من الأغنية المغربية الجميلة. والمفارقة الكبرى، أن في ظل انتشار الأغنية « الاستهلاكية »، تنتصب أمام أغاني الكتامي (وأضرابه من الفنانين) عدة صعوبات، سواء على مستوى الدعم المادي (من قبل وزارة الثقافة) أو الترويج عبر الإذاعة وقنوات البث التلفزي. ولعل من نتائج هذه الصعوبات (والعراقيل)، الإزراء بتنوعية المشهد الغنائي المغربي، وتعددية أصواته وأشكاله. وفي هذا الإطار، يمكن العودة إلى ما ظل يعتري « سوق » الفن ببلادنا، بالنظر إلى ما يسوده من محسوبية وزبونية، إن على مستوى الدعم أم على مستوى الترويج.
